اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

61

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

بالذات ترجع أول إشارات ولو مبهمة عن ظهور مصورات جغرافية وعن الجغرافيا الوصفية في المجالين الإدارى والاقتصادي . أما المعلومات العملية في ميدان الجغرافيا فقد زادت العناية بتنظيمها أيضا ولكن لم يتبق لنا أي أثر من ذلك . كما وأن بريد الدولة الذي خضع لتنظيم جيد في العهد الأموي قد استدعى إعداد رسوم تخطيطية لمختلف الطرق ؛ ومثل هذه الرسوم قد وجد بلا ريب في دواوين الحكومة واستغلها بعض مؤلفي العصر العباسي في وضع مؤلفات في هذا الميدان وصلت إلينا . أما طرق البريد فقد نصبت على جانبها حجارة لتوضيح المسافات وهي ما يسمى بالأميال ؛ وكانت تبدأ من مركز الخلافة . وقد عثر على بعض هذه الحجارة بفلسطين وترجع إلى عهد عبد الملك بن مروان ( أي قبل عام 86 ه - 705 ) 155 ؛ ومنذ عهد ليس ببعيد عثر على واحد منها قرب تفليس وأغلب الظن أنه يرتفع إلى نفس ذلك العصر 156 - - . وتنعدم الجغرافيا الفلكية تماما في هذا العصر . وإذا حدث وأن وجدت فقد كان صداها ضئيلا وبين السريان وحدهم بحيث لم تصل إلى العرب . ومن المعلوم أن أسقف اليعاقبة ساويرس سبوكت Severus Sabokt ، وكان معاصرا لعمر وعثمان بل ولمعاوية في الأعوام الأول لخلافته ، قد وجد الوقت الكافي ليشتغل بالفلك إلى جانب اشتغاله بمنطق أرسطو . ومن معاصري الخلفاء الأمويين الأوائل يعقوب الرهاوي ( 640 - 708 ) الذي نال الشهرة كعالم لغوى ومفسر ، وكان أول من حاول في اللغة السريانية إعطاء صورة متماسكة للتصورات العلمية في ذلك العصر عن العالم وأقسامه وظواهره وذلك أثناء تفسيره لأسطورة التوراة في خلق العالم ؛ وهو يورد في سياق عرضه مقتطفات من بطلميوس 157 . ولم يكن بمقدور السريان أن يصبحوا أساتذة للعرب في العصر الأموي بالرغم من أن هذا هو ما حدث فعلا في أقل من قرن بعد ذلك . لذا فليس من الغريب ألا نعثر على أي أثر للجغرافيا الفلكية بين العرب في ذلك العصر . ولكنها تندفع فجأة كسيل جارف في نهاية القرن الثامن ولا تكتفى بإبراز فرع جديد فحسب بل تحدث تحولا ملحوظا في الفروع الأخرى التي تشكلت آنذاك . وهذه اللحظة بالذات هي التي يجب أن تعتبر بحق بداية الأدب الجغرافي العربي .